الخميس، فبراير 24، 2011

إما نكون أو لا نكون!



خرج الجمعة الماضية المتظاهرون الشباب في صنعاء حاملين شعارات تنادي برحيله. هاتفين الشعب يريد إسقاط النظام يسيرون من الجامعة باتجاه لم يسمح لنا الأمن بمعرفة إلى أين كانوا يودون السير بمظاهرتهم. وبعد تجاوزهم عدة حواجز لقوات الأمن باعداد كبيرة، يصل المتظاهرون إلى جسر الزبيري، ليجدوا أنفسهم وهم (العزَّل) في مواجهة بلاطجة يحملون العصي الخشبية والحديدية. وتقول الأخبار إنهم ضربوا مراسل قناة العربية، وحصروا الصحفيين في زاوية، وتم ضرب المتظاهرين بوحشية المنتقم.
سمحت لي الصدفة بالوقوف لدقائق في الجهة المقابلة التي اختلط فيها الأمن بالبلطجية. تقف قوات الأمن بمسافة فاصلة خلف من يعتدي على المتظاهرين وكأنها تحميهم بعد أن نفذوا فعلتهم في الاعتداء على المتظاهرين، ثم خلفهم بمسافة تنتشر سيارات للأمن وحاملو سلاح بملابس مدنية عند جولات تالية بعد أن قطعت الطريق من قبلهم.
يقف أحدهم إلى جانب الطريق يلبس جاكت عسكرياً وبيده عصا غليظة تتقطع أنفاسه، هكذا كان حال أغلبهم، فيما يبدو الأمن مسترخيا للغاية كأن شيئا لم يحدث. وثمة أحاديث جانبية بين الأمن وأصحاب الهراوات والعصي. حينها كان المتظاهرون قد تفرقوا وسقط منهم عدد كبير من الجرحى. فيما لم أر شخصاً مصاباً في الجهة التي يسيطر عليها الأمن. وقفت أتفحص وجوههم؛ بدوا رجالا خائفين، حتى حين بدوا منتشين بانتصار خلف الكثير من الجرحى، لم يكونوا يعرفون ما هو ذلك الانتصار.


كانت لحظة فاصلة لأعرف قوة أؤلئك الشرفاء وهم يصممون من أجل المطالبة بحقوقهم أمام كل ذلك الرعب الذي يحاول النظام أن يواجههم به: بلاطجة وأمن. هي لحظة فاصلة نعرف بها مع من نتعامل لم تكن المواجهة مجردة لنقول بين طرف وطرف، بل بين فكر وفكر آخر. فكر أسعفته عقليته للتعبير عن رأيه بطريقة حضارية، وفكر تحرك جوهره الحقيقي وأعلن عن نفسه بالتعالي والبلطجة. هي لحظة تسقط معها كل محاولات تجريب المجرب، والبحث عن مخارج لاستيعاب عقليته.


يقومون بكل شيء لتبرير كل هذا القمع، والقتل الذي بدأ في عدن حتى لم تكن هناك إجابات مقنعة، شكل الرئيس لجنة للتحقيق في ما حدث. وفي نفس اليوم يستبق نائب وزير الداخلية التحقيق بتوجيه اتهام للحراك. وهناك إصرار على تحويل آلام الناس وأوجاعهم ومعاناتهم إلى مؤامرات خارجية. وإنكار تام لوجود مشكلة ولحتمية التغيير.


نحن أمام نظام يناقض نفسه كل ساعة. فحين يتحدث عن سعة صدره يكون قد سقط في ذات الوقت المتظاهرون المطالبون بالتغيير بين قتيل وجريح. يتحدث عن الحوار بينما يغلب القوة. يضللنا أعضاء الحزب الحاكم في كل الفعاليات بتكريس فكرة أن الشعب اليمني كله مسلَّح، وكأن هذا الشعب المسلح هم مجرد مجرمين فقط ينتظرون فرصة لقتل بعضهم.


كانت أحزاب اللقاء المشترك محقة حين أعلنت الالتحام مع الشباب. كيف يمكن بمن صنع المشاكل أن يقدم حلولا لها؟ كيف يمكننا بالحوار أن نحصل على حقنا في تعليم جيد وصحة، وأن نعيش بأمان؟ وكيف ستتحقق أحلامنا بوطن يعمه العدل والمساواة؟ كيف يمكن لمن يؤمن أن الحقوق هبة منه أن يؤمن بحقوقنا؟


هي مرحلة تقول لنا: إما أن نكون أو لا نكون.. إذا كان باستطاعة النظام تضليلنا فليس بيديه إيقاف عجلة التاريخ. بالمقابل من قال إن التاريخ يكرر نفسه، فإما أن نكون في المقدمة، وإما أن يتجاوزنا ويتركنا مثخنين بجروحنا القديمة.

تأتي الثورات من الجهة المنسية


هكذا بدأت الحكاية: أسقطت امرأة نظام الرئيس التونسي بن علي بعد أن صفعت ضابطة محمد البوعزيزي وأهانته، أحرق نفسه ليكون مبشرا بالتغيير الذي يتوالى اليوم على مستوى الدول العربية ومستوى العالم، فقد قال أوباما ليلة تنحي مبارك لقد ألهمتنا الثورة. لم يكن لمن أشعل الثورات دخل بالسياسة.
بعد تونس جاءت مصر رفع الثوار الشباب في ميدان التحرير شعارهم"عدالة حرية كرامة إنسانية"، كانت ثورة التونسيين بسبب إهانة البوعزيزي، كانت للثورة مطالب إنسانية قبل أن تكون سياسية لقد ضرب التونسيون مثالا ملهما في الوحدة حين خرج بلاطجة النظام لإشاعة الفوضى، شكلوا لجانا شعبية لحماية أنفسهم. لقد تغير شعورهم تجاه أنفسهم. كل ذلك المعنى الذي كان يعززه النظام في نفوسهم تغيَّر.
يزيد المصريون على ذلك، ما قاموا به من "ملحمة" رأيناها في ميدان التحرير خلال اعتصامهم هناك، لقد كانوا منظمين لدرجة أدهشت العالم هم اللامنظمون من قبل. وجعلت البعض يتحدث عن أن ميدان التحرير هو "مصر الحقيقية". شكلوا لجانا لتنظيف الميدان، ولجانا لحمايته، ونال المتحف المصري جزءا من تلك الحماية.
أشخاص يصنعون الشاي ويأتون بالطعام، أشخاص يعالجون المرضى، يصلِّي المسلمون ويحميهم المسيحيون، ويحمي بعضهم بعضا. لقد ألهمت سالي زهران الفتاة التي قتلها الأمن يوم 25 يناير، فتيات مصر ليكن أيضا إلى جانب المتظاهرين بالرعاية والعمل. لم يكن حينها هو الشعب المصري الذي أراده النظام. لقد تغيرت منظومتهم الثقافية. لتغير إكسر الخوف، لقد كسر الشباب الخوف بداخلهم. ولتنتصر آمن بنفسك، وهذا ما فعله الشباب. لقد أسقطوا ما يعد أقوى نظام في المنطقة، تجاوزوا من راهن على الطائفية ومن راهن على القبضة الحديدية للنظام الأمني، ومن راهن على شعوب ضعيفة وعلى الفوضى.

لم يدرك مبارك أن التاريخ لا يتراجع، وفي كل مرة كان يقوم بإجراء ما ويعتقد أنه في صالحه، يرتد ليكون عقبة تجعل بقاءه مستحيلا، رغم أن حسني مبارك أوفر حظا من أخيه زين العابدين بن علي فتجربة تونس يمكن أن تفيده، بدأ من حيث انتهت تونس، بدأ بإثارة الفوضى بإخراج البلاطجة للنهب، لكن الشعب شكل لجانا شعبية، وحين أقال الحكومة كاملة ملقيا خطابا عاطفيا تأثر به البعض، لم يطلع الصباح حتى ارتكب خطأ فادحا ساقه له التاريخ، فقد أرسل أنصاره بالجمال والخيول للهجوم على منهم في ميدان التحرير، وحين أنزل الجيش كان الشعب يعلن حبه له وصعب ما قد يفكر فيه مبارك من أن الجيش سيقمع المتظاهرين. وحين قرر نقل صلاحياته كآخر محاولة حسب الدستور لسليمان، كان يتحدث قبلها بأنه سيعاقب ويحاسب، إذن مازال مصرا على البقاء في الصورة. كان مبارك بفكره القديم العسكري العنيد برفضه التنحي ودائما في خطاباته ما كان يحاول الحديث بعاطفة عن الذين يتنكرون له ولما فعله، وكان ينسى أن خطابه القديم لم يستطع أن يكون بمستوى ذلك التغيير الذي حدث للشعب، ولا بمستوى اللحظة.

هكذا إذا يقول لنا التاريخ: تأتي الثورات من الجهة المنسية.
ما الذي سيحدث في اليمن ؟

يمكن أن أبدأ بالقول إن لدينا معارضة يعرف الرئيس صالح مدى قوتها جيدا، كما أن علينا أن نعرف ذلك، وفي حالة كاليمن الحديث عن احتكار السلطة ليس واردا.. ففي السياسة لا يمكن الحديث عن احتكار السلطة في ظل وجود فاعلين آخرين -لكن يمكننا القول احتكار الثروة- لأن في اليمن ثمة فاعلون آخرون وجدوا من بداية حكم الرئيس صالح وربما من قبل، وآخرون وجدوا نتاجا لسياساته، تقف القبيلة والأحزاب المعارضة في القسم الأول ويقف الحوثي والحراك وقد نقول (المعارضة في الخارج) في الطرف الثاني. وتأتي قوة المعارضة في أنها قد يكون لها تأثير لا يملكه الرئيس ذاته في بعض القوى. وفي اللحظة التي يلح علينا التغيير سنكون بحاجة للجميع، وليس علينا أن نخجل من كون القبيلة ككيان ثم كفكرة قابلة للتطور ثم أحزاب اللقاء المشترك إن كانوا معادلة في الطريق إلى التغيير. ويأتي هذا من باب التفكير بطريقتنا البحتة. وحين يأتي التغيير من الجهات المنسية، إذن لا نستبعد أن تكون المعوقات التي نراها اليوم في طريق التغيير، هي ذاتها المساعدة على ذلك.


على الرئيس أن يفكر أولا في أن من الصعب على الشعب احتمال بقائه كل هذه السنوات في زمن الثورات، إلا بمقابل كبير ومرض.
إذا فهم النظام أننا بحاجة ماسة للتغيير. ولا يبدو عليه الفهم خاصة حين نرى تعامله بالطعن والصعق مع المتظاهرين والاعتداء على المتظاهرات كتصرف لم يفعله نظام، أما المتظاهرات فعادة ما يعاملن بطريقة مختلفة. وإذا كان جادا في رغبته التي يعلنها هذه الأيام في التغيير، فعليه أن يثبت ذلك، ويقدم مقابلا مرضياً يضمن له البقاء. وأن يظل بأخلاقه تلك التي تحترم المرأة، فلا أريد أن يثبت ما أفكر به من أنه زمنٌ تُسقط فيه النساء الأنظمة. ألم يحدث هذا في تونس ومصر بطريقة أو بأخرى؟


فضائل يناير


لي حلم طالما راودني ولا يزال: أن أرى اليمن مستقرا بالعدل يعيد الاعتبار لمعنى المواطنة والمساواة. ومازال الحلم يعاودني عند كل نازلة أو حدث فها أنا أتمنى اليوم أن يتفق أطراف العملية الحزبية ويعودوا إلى طاولة الحوار والتحلي بالكثير من الصدق والشجاعة للعمل على التغيير، كان حلمي يلح علي وقت ثورة مصر بالتحديد والتي بدأت في 25 يناير الأسبوع الماضي وبعد ثورة تونس التي انتهت في 14 يناير يبحث عن سبب يخص اليمنيين للاتفاق.

لأنه باعتقادي أن لليمن ظروفه الخاصة لكن رياح التغيير في مصر دفعت العجلة بقوة أكثر مما دفعته ثورة تونس لقد كانت مصر هي التأكيد للأمل كانت هي التأكيد على القدرة. بالنسبة لي كان الأمر متوقعا أن تكون مصر هي التالية بعد تونس، فقد رأيت لسنوات شبابا يحلمون بالتغيير وهو الشباب الذي لا يعرف السياسة بمعناها التنظيمي، والذي يجتمع بشكل متواصل للحديث عن الهموم الخاصة والتي تنطلق إلى العام، وهم الشباب الذي أراد أن يردم الفجوة بين شعوره بالانتماء العميق لبلد عظيم صنعه أجداده العظماء وبين حال متخلف يعيش فيه.

لقد كان ذلك الشباب يؤمن بالتغيير وعندما تحققت لحظته أمسك بها بقوة، رغم محاولاته المتواصلة لتقديم تلك اللحظة عن طريق التعبير عن الرأي في المدونات الإلكترونية وعلى موقع الفيس بوك والعمل الدؤوب لتحقيق الحلم بشتى الوسائل. حتى الآن ينتصر ذلك الشباب ينتصر الشعب، ومهما كان الذي سيخرج به من هذه الاحتجاجات المستمرة، فإن مصر بعد الآن هي مصر الجديدة التي أرادها الشباب والتي تحقق رؤيته وذاته.


هنا في اليمن يتقاطع الشعب اليمني مع المصري في كونه يشعر بقوة الانتماء العميق أيضا إلى هويته اليمنية العظيمة والتي رغم ما قد يقال حول ذلك، قد تظهر في أي لحظة حاسمة لتكشف عن نفسها، فاليمن أصل العرب واليمني هو صانع الحضارات الأولى على وجه الأرض ورغم القليل الذي يتاح له إلا أنه يثبت أن يقطع المسافات الطويلة بوقت أقصر. مايحدث في مصر وقبلها في تونس تجعل منه يتوق للتغيير كما يحدث في كل البلدان العربية. ليس من الضروري أن تتطابق التجارب في التغيير لكن يمكن لهدفها أن يكون واحدا، فقد يختلف أسلوب التغيير في اليمن وطريقته نظرا لظروفها مع الأخذ بالاعتبار أن الأحزاب في اليمن لها تأثير في الشارع بما يميزها عن غيرها من الأحزاب العربية، وجاء هذه التأثير على حساب تأثير الشباب، وجاء ضعف الأحزاب في مصر وتونس لحساب الشباب المستقل هناك فهو الذي يقود الأحزاب.


لقد هبت رياح التغيير فعلينا جميعا أن نستلهمها بشروطنا الخاصة مع التأكيد على جانب آخر أن تلك اللحظات قادرة على المفاجأة وكسر التوقعات فالشعوب حين تطلب أحلامها بشغف ستموت مطمئنة لأجلها وأمامها يتحول القوي إلى ضعيف وهذا ما يقوله التاريخ، وما تقوله تجربة تونس ومصر أنها قادر على إرباك كل شيء.


لقد حملت احتجاجات مصر وتونس رسائل لكل الأطراف وأعلنت للشعوب العربية جمعاء والتي تتهم بالتخاذل ويساورها الشعور بالنقص قائلة: أنتم أقوياء ومصيركم بأيديكم والحرية لا تدرَّس في المدارس بل يرضعها الناس في حليب الأمهات.


ورسالة للحكام العرب الذي طال بهم الأمل وغفلوا عن شعوبهم أن عليكم أن تغيروا قبل أن تتغيروا بل أجبرتهم هذه التجارب واللحظات القليلة على تغيير ما لم تقدر على تغييره المعارضة خلال سنوات طويلة من العمل الحزبي. وهي رسالة للجماعات المتطرفة التي تعتقد أنها وكيلة الشعوب في التغيير بالعنف والقوة، فالشعوب في نظرهم غارقون في الضلال، وهي رسالة للقوى الكبرى منها إ سرائيل والمصفوعة بالمفاجأة أكثر في ثورة تونس نحن لا حكامنا نملك الأرض. هي رسالة أخرى للمعارضة التي تسعى لتكون في مكان السلطة.


وبما أنها أيضا تجارب جديدة لم تحدث من قبل فرسالاتها هي الأقوى، من حيث إحداث توازن في علاقة الشعوب بحكامها التي من الأفضل الحفاظ عليها متوازنة لأن الحكام غالبا هم عرضة للنسيان. وبإمكاننا أن نستدل على ذلك من خلال ماحدث في الجزائر في آخر خبر وهو إلغاء حالة الطوارئ وإجراء بعض الإصلاحات، وماحدث في الإردن من حل للحكومة، وفي الكويت تم صرف 1000 دينار لك مواطن، وفي موريتانا تم الحديث عن بعض الإجراءات الإصلاحية.


أما في اليمن فقد أعادت هذه الاحتجاجات الحاكم إلى طاولة الحوار وقدم تنازلات على حد تعبيره لا يراها عيبا من أجل مصلحة الوطن نتمنى أن تتحول إلى أفعال لأن الاعتماد على الكلام عواقبه وخيمة، تستطيع الأحزاب الآن الطرف الآخر العمل بطريقة جديدة بتفكير جديد مقابل ما تعتمده السلطة من طرق جديدة وأخذ المبادرة في ذلك. للدفع بالحاكم ليسير في الإجراءات. فإذا كنا نقول أن هذه الأحداث ستغير تفكير الحاكم فلا بد أن تغير تفكير المعارضة. أعتقد أننا الشعوب العربية بحاجة للعمل على ضمان الانطلاق في إي تغيير انطلاقا من خصوصيات كل شعب. وبحاجة لكل الأطراف أن يتعاونوا في ذلك وليس علينا الحديث عن النتائج فكلها تبقى في إطار التوقعات: ففي اليمن ربما من الأفضل بقاء الرئيس صالح، وربما إذا خروج الناس إلى الشارع طلبا للتغيير ضربوا أروع الأمثلة في التضحية والوفاء. وهذا أصل هذا الشعب) وربما تحولت القبيلة التي ينظر لها البعض كعقبة إلى حامية لهذا البلد وربما وربما. فلحظات التغيير لايمكن التنبؤ بها بل أساسها المفاجأة، جعلها الله مفاجآت سارة ولا حرمنا الله من فضائل يناير تلك التي أحيتنا وطهرتنا والفاتحة على أرواح الشهداء.


الخميس، سبتمبر 16، 2010

في ذكرى البردوني






في مهرجان الموصل كانت هناك أصوات تتساءل ما الذي سيقوله هذا؟ وكان الشاعر الفلسطيني معين بسيسو أكثر وغزاً بالبردوني


يقول أستاذ اللسانيات المفكر التونسي د. عبدالسلام المسدي في كتابه "نحو وعي ثقافي جديد"، ما من سياسة زهدت في حرية الفكر إلا ظلمت نفسها بنفسها، فحرية الرأي هي التي تستصفي النقد، والنقد هو الذي يحمي السياسة من الفشل، والنقد هو الذي يحمي النجاح من الغرور.يحضر ما قاله المسدي في الذكرى الـ11 للشاعر العظيم عبدالله البردوني. فقد كان في شعره كما هو في فكره ناقدا لا يكل... ماذا لو صدق السياسيون ما تنبأ به البردوني حول الوحدة منذ قامت في أكثر من حوار معه، لربما كانت أيامنا هذه بلا حراك.في الذكرى الـ11 ما زال البردوني يتردد في ذاكرة من أحبوه رمزاً لتطلعاتهم، وفي ذاكرة من كرهوه موقفا جليا لا يعرف المساومة. في الذكرى الـ11 ما زال البردوني يحملُ مصباحه من بيت لبيت ليضيء.. محتشدا في الشعب الأستاذ والجندي وقائد الجيش والعامل والفلاح والثائر والعاشق. ألا يكفي أن البردوني جعل اليمانيين ينامون وهم يحبون ذاتهم.في الذكرى الـ11 لوفاة البردوني لا شيء يثير الألم أكثر من بلدٍ أشاح بوجهه عن البردوني، فأعماله التي تركها تعجز الدولة، بقصد أو دون قصد، أن تقوم بحل إشكالية بين ورثته أو إشكالية أخرى تبدو جلية في عقلها. كأننا بحاجة لتبني مبادرة لحل هذه المعضلة والبدء بنشر أعماله المعدة للنشر "الجمهورية اليمنية"، رواية "العم ميمون"، "المؤسسات الثقافية في اليمن"، "الجديد والمتجدد في الأدب اليمني"، وديواني "رحلة العشق علي مرافئ القمر" و"ابن من شاب قرناها".تحاور "النداء" الأستاذ عبدالإله القدسي أحد من كانوا يقرؤون ويكتبون للشاعر الكبير عبدالله البردوني، عن فترة عاشها مع البردوني قارئا وكاتبا له، وعن بعض المواقف التي عايشها معه. وهو من مواليد مدينة الحديدة، خريج الاتحاد السوفيتي سابقاً، يحمل درجة الماجستير في علوم الصحافة والآداب عام 1986.
*كان دائماً يقول: علي أن أقول كلمتي وهي تستفز وتقاتل إذا انتصرت لا أفرح بانتصارها وإذا سقطت لا آسف على سقوطها" ولم يكن يجامل أحداً كما لم يكن فجاً* له محاضرات ألقاها في اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين لم تنشر على الإطلاق وهي مسجلة لديهم، رغم أن نشرها مهمة الاتحاد

* حوار: محمد الشلفي

> " كيف بدأت علاقتك بالبردوني؟
- صلتي بالأستاذ عبدالله البردوني منذ أواخر 67 بعد أن منيت الأمة العربية بهزيمة نكراء. كنت هنا في صنعاء أدرس وتعرفت عليه. قبلها كنت أتابع مجلة الفكر والأدب في إذاعة صنعاء، كان عمري 12 سنة، وكان على معرفة وثيقة بأبي، لهذا تآزر التعارف من خلاله. كنت أحد قرائه إذ كان يقرأ له سابقاً على الملالي، محمد علي المهدي، والعزي الشاطبي، وكان صديقه.

> ما كان أول كتاب قرأته له؟
- "الشعر اليمني قديمه وحديثه"، وكانت الطبعة صادرة على دار الجماهير العراقية.
>
كيف كان يقضي يومه؟
- يستيقظ صباحاً الساعة الـ6 يتابع الأخبار كإذاعة الشرق الأوسط، تأتي في الصباح باقة أخبار ثقافية؛ ما الذي استجد في الجانب الثقافي لأدباء كبار في مصر. يتابع أخبار المهرجانات الأدبية التي تعقد، فكان يعرف أخبار طه حسين، العقاد، حافظ إبراهيم، وصلاح عبدالصبور. كما كان يتابع الأخبار السياسية عبر إذاعة لندن، الكويت. بعد سماع الأخبار يتخللها تناول الفطور، ثم يبدأ بالقراءة بين الثامنة والثامنة والنصف، وتنتهي الفترة الساعة الـ12 ظهراً، بعد ذلك الغداء، ثم -وهذا عندما كان يتعاطى القات- يبدأ بسماع الأخبار من إذاعة صنعاء التي كانت تبدأ البث في الساعة الـ2، الساعة الـ3 يبدأ القراءة مرة أخرى حتى المغرب، بعدها تكون صلاة المغرب ثم العشاء، ثم قراءة إلى الساعة الـ12 ليلاً، وكانت تتعدى إلى الساعة الـ3 صباحاً، لكن بعد أن امتنع عن القات لفترة طويلة كان ينام حتى الساعة الـ5 بعد الغداء. وكانت القراءة وجبة يومية. كانت متنوعة في الجانب السياسي، الثقافي، والتاريخي.
> ماذا عن نشاطه الثقافي؟
- عندما يستضيفه اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين كان هو من يختار مواضيع محاضراته، فيأتي عصراً يشغل حيزاً كبيراً جداً من الوقت في إلقاء محاضراته، أعتقد أن له محاضرات كثيرة لم تنشر على الإطلاق في الصحف ولا في المجلات في اتحاد الأدباء، وهي مسجلة في اتحاد الأدباء وموجودة لكن لم ينشرها رغم أن نشرها مهمة المسؤول الثقافي في فرع صنعاء في اتحاد الأدباء، وربما تكون الأمانة العامة منوطة بطبعها، خاصة أن أ. عبدالله البردوني من المؤسسين وأول رئيس لاتحاد الأدباء والكتاب في اليمن.
> ما هي الكتب التي أملاها عليك؟
- لم أكتب له كتاباً كاملاً، كتبت فصولاً، شاركت في كتابة بعض الفصول الأولى من "اليمن الجمهوري"، فصلين في "قضايا يمنية"، وفصلين من "رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه".
> كم كان يستغرق تأليفه للكتاب؟
- كان الكتاب يتألف من مجموعة أبحاث ودراسات تم نشرها، ثم يقوم بإعادة صياغة أجزاء منها ويضيف إليها وينقحها وينشرها ككتاب، ما عدا كتاب "رحلة في الشعر اليمني" لأنه كان لديه مجموعة كبيرة جداً من الجرائد والمجلات التي يحتفظ بكتابات الأدباء اليمنيين مثل القرشي عبدالرحيم سلام، محمد عبدالله غانم، لطفي جعفر أمان، محمد الشرفي، عبدالرحمن قاضي، محمد سعيد جرادة، وتناولهم نقدياً. وقد أغضب ما كان يكتبه البردوني في النقد بعض الكتاب، وكان دائماً يقول: "علي أن أقول كلمتي وهي تستفز وتقاتل إذا انتصرت لا أفرح بانتصارها وإذا سقطت لا آسف على سقوطها". كان لا يجامل أحداً على الإطلاق، وأسلوبه ليس فجاً. وكان يتهم بأنه "حاطب ليل" مزاجي، وبأنه لا يرى شيئاً، وكان يطلع على الكتابات تلك ويرد عليها بأسلوب غير مباشر.
> عندما كنتم تكتبون له هل كان يأخذ برأي من يكتب، أم كنتم تهابون إبداء رأيكم باعتباره البردوني؟
- كان يقبل الملاحظات، كنت أكتب له، ثم يسمع ما كتبت ليتأكد مما كتبت. وكان دقيقا في هذا الأمر. ثم إذا كان هناك ملاحظة أقول له فيقبل. من الملاحظات التي كان يكتبها خصومه أنه ليس مؤرخا، وكانوا يريدون أن يقول في الساعة كم حدث، وهذا ما لم يحدث عند المؤرخين جميعهم.
> أنت كنت بصحبته في مهرجان الموصل، ما الذي حدث؟
- أرسلت دعوة للأستاذ البردوني من القائمين على مهرجان الموصل، كان ذلك في عهد الإرياني في 1971. كان هناك أصوات في الاحتفال تتساءل ما الذي سيقوله هذا؟ من منطلق هذا الزخم الثقافي الكبير والشخصيات التي حضرت صلاح عبدالصبور، نزار قباني، الجوهري، صالح جودت. حينها كان الشاعر الفلسطيني معين بسيسو أكثر الناس وغزاً للبردوني، يهمز ويلمز أمام بعض الأدباء، ولم يكن البردوني مكترثا. كان ترتيب اليمن هجائياً في النهاية، وحدثت التغيرات وتقدمت اليمن، فبدأ يلقي قصيدته المعروفة "أبو تمام وعروبة اليوم"، وكانت بدايتها:
ما أصدق السيف! إن لم ينضه الكذب
وأكذب السيف إن لم يصدق الغضبُ
بيض الصفائح أهدى حين تحملها
أيد إذا غلبت يعلو بها الغلبُ
وأقبح النصر... نصر الأقوياء بلافهم.. سوى فهم كم باعوا... وكم كسبوا
أدهى من الجهل علم يطمئن إلى
أنصاف ناس طغوا بالعلم واغتصبوا... إلخ.
صفق الحضور بشدة. وطلب الحضور في القاعة الإعادة أكثر من مرة حتى قال لهم "أنتم تدعونني إلى الانتحار". هذا المهرجان كان مرحلة جديدة جعلت البردوني أكثر شهرة مما كان عليه. بعدها صعد نزار ليقول ما معناه أن الإلقاء بعد البردوني انتحار، ولم يلقِ قصيدته.كما قلت كان معين بسيسو أكثر لمزا بالبردوني، وفي ما بعد جاء مع ياسر عرفات إلى اليمن، وكان معين محسوبا على حركة الثورة الفلسطينية، ووقتها كان المستشار الثقافي لعرفات. وجاؤوا حينها لإعادة انتخاب اتحاد الكتاب الفلسطينيين، ولقي البردوني معين بسيسو فقال له: "أنا يا أخي العربي صحراء، وتحت يدي سلاحي"، أين سلاحك يا معين؟ كان يريد أن يقول له أن يتابع كتاباته، وقرأ له نصوصاً كثيرة، وكنت ألاحظ الوجوم الخجل يعتري وجه معين بسيسو، فقال له الذي حدث ذهب، ورد عليه البردوني أنا لا أسألك عن أمسك، بل إنك أنت وليد لحظتك هذه. وهذا من العتاب الجميل.
> ما قصة قصيدة "الغزو من الداخل"؟
- بدأت القصيدة تنتشر، كانت هذه القصيدة ستمنع، لكن إبراهيم الحمدي رفض ثم في عهده طبع الديوان، قال لهم إبراهيم الحمدي دعوها، حتى عندما قال عنه "جبينه دبابة واقفة" في قصيدته خطاب 13 يونيو حزيران لم يحذف منها شيئاً، وقال دعوه يقول ما يشاء يريده، ولم تكن هناك أية رقابة.لم تخضع أعمال البردوني للرقابة كما حدث في عهد الرئيس علي عبدالله صالح وعلي ناصر محمد في كتابه "اليمن الجمهوري" سنة 1982، ثم تراجعوا بعد أن وزع كتبه في عدن وفي الشمال مجاناً دون بيع.ولما كان عهد إبراهيم الحمدي من 74 إلى 76، كانت ممنوعة كتب: "لعيني أم بلقيس"، "السفر إلى الأيام الخضر"، و"قضايا يمنية" من دخولها إلى السعودية، لكن الكتب كانت مطلوبة من الناس، وكان اليمنيون في السعودية يشترون هذه الكتب من صاحب مكتبة الثقافة أمين مستور، كانت رخيصة، وقد عرفت أن مثقفاً سعودياً كان مستعداً أن يدفع 3000 ريال سعودي.
> لكنك لم تتحدث عن قصة هذه القصيدة..
- دعي البردوني لعيد الجلوس للملك فيصل، وكان في نادي الضباط عام 1973، من قبل جهات رسمية يمنية وسعودية. كانت ذا وقع كبير، وكان معتدا حاملاً معه بطانيته فقالوا له إلى أين؟ قال إلى السجن أو إلى المشنقة. وكان بحضور رئيس الوزراء عبدالله الحجري والحمدي. وأعقبت هذه القضية كثير من الغضب، وكان الحمدي يقول جاء حراً ويذهب حراً، وهذا ما حدث.
> ما الذي كان يشغل البردوني؟
- هو أن يتقدم اليمن، وأن تكون دولة مؤسسات حقيقية، وأن يكون النظام مدنياً منفتحاً، وديمقراطياً حقيقباً. كان البردوني يركز على الجانب التعليمي، وكثيراً ما انتقد التجهيل. كان البردوني ضد الانقلابات، كان يريد ثورة شعبية تخرج، كان تحريضياً، وكان له موقف من الوحدة، والثورة، يقول: أيها الآتي بلا وجه إلينا/ لم تعد منا ولا ضيفاً علينا.
> هل كان البردوني يخاف؟ وهل رأيته يبكي؟
- لا، لم يكن يخاف، ولم أره مرة يقول ذلك، ثم إنه كان إنسانا حساسا فقد بكى على إبراهيم الحمدي وشاهدت أناته، بكى لفقدان أعز الناس إليه زوجته، وقتها تقلب فوق الحصى باكياً. بكى على عبدالسلام الدميني.
> كان ناقدا لا يتواني عن قول رأيه، بالمقابل هل كان يتقبل النقد مثلما كان ينتقد الآخرين؟
- كان ديمقراطياً وكان يقبل النقد. أذكر ذات مرة كنا في اتحاد الأدباء وكان يلقي محاضرة في شعر الحضراني، فوقف عبدالله هاشم الكبسي يقول للبردوني أنت قلت عن هذه الأبيات من بحر المنسرح، وأنا أقول إن هذه من البحر الخفيف. هذه حدثت فعلاً ولا أحد يستطيع أن ينكرها، منهم عبدالله هاشم الكبسي. لم يرد عليه البردوني سوى بـ"شكراً". لم يكن البردوني يغضب أو يحنق، وكان عبدالله هاشم الكبسي على حق. وهذا لا يغير من مقام البردوني شيئا.
> ترك البردوني مجموعة من المخطوطات التي لم تنشر من قبل، البعض يقول إن عدم نشرها بسبب خلافات الورثة، والبعض يقول إن جهات صادرتها يوم موته من منزله.
- الأستاذ عبدالله البردوني كان يحتفظ بما نشره أو ما هو معد للنشر في دولاب والمفاتيح مربوطة على خصره لا يعطي المفتاح أحدا. الذي أعرفه من الكتب الجاهزة للطباعة هي "الجمهورية اليمنية"، وهو كتاب يوضح موقف البردوني من الوحدة، انتقد بعض الظواهر السلبية في الحكومة الانتقالية، ومهما اختلف معه فذلك رأيه.الكتاب الثاني رواية "العم ميمون"، الكتاب الثالث "المؤسسات الثقافية في اليمن"، الكتاب الرابع كان أقدمها وكان يؤخره حتى يتواصل مع إبداعات الجيل الجديد، عنوانه "الجديد والمجدد في الأدب اليمني"، ثم ديوان "رحلة العشق على مرافئ القمر" وديوان "ابن من شاب قرناها"، وفيه أحدث قصائده.
> أين ذهبت هذه المخطوطات؟
- نحن، وبعد مراسم دفنه، سألنا زوجته فقالت إنها سلمت المخطوطات لجهات نافذة في الدولة.> من كان حاضراً معك حينها؟
- أمين العباسي، الحارث بن الفضل، الشاطبي، محمد شرغة.. كما تحدثت هي في أكثر من وسيلة إعلامية.
> إذن لا دخل للورثة بتأخر طبع الكتب إلى اليوم؟
- بعدها حدث خلاف حول البيت، وقد كانت الوثائق أثبتت أنه باسم البردوني لا باسم زوجته. والمتداول الآن أن البيت تم حجزه بما فيه الإرث الثقافي تم ربط المخطوطات بالبيت. لكن مع ذلك إذا صح ووجد خلاف بين الورثة بخصوص إرثه الثقافي، فالدولة قادرة على حله إذا كانت تحترم قامة كالبردوني. الدولة لا تهتم إلا بقطاع الطرق، أما أن تهتم بالشخصية العظيمة البردوني الذي احتشد الشعب فيه.
ما الذي جناه البردوني حتى يعاقب بهذه الطريقة، ويقابل بالنكران، فلم يتحول منزله إلى متحف، وإن أحييت ذكرى أخذت طابعاً إعلامياً دعائياً.
إذا كانت الدولة تحترم البردوني فليفرجوا عن موروثه الثقافي الموجود لديها، ونتمنى ألا يتم خدش أو إلغاء أو تشويه المخطوطات التي تركها البردوني، ولم نتأكد من مصيرها، لأن البردوني بأسلوبه معروف للصغير والكبير.

الأربعاء، سبتمبر 15، 2010

صنعاء


صنعاء في فسحة، يفصلها يوم واحد عن الاختناق بالسيارات والناسْ !
لا يجدي البحث عن صنعاء الجديدة مصورة ، هكذا يطغى الماضي على الحاضر في اليمن، لكن هل هناك جديد يمكن الإشارة إليه في صنعاء الجديدة، ربما !


أجهلك يا بلدي، إلا أن جهلي يثمر حباً !






الخميس، سبتمبر 09، 2010

معايدة

بعد انقطاع لأسباب فيسبوكية بحتة أشتاق


كل عام وأنتم وأنا والمدونة بخير.

الأحد، يونيو 06، 2010

أين أنت الآن



بين العرض الأول والثاني للمسرحية الصامتة "أين أنت الآن" للمخرج الشاب خالد اليوسفي.. يمكن أن يلحظ المشاهد أمرين أن عرضها الأول كان مؤثرا أكثر من الثاني لقد أدى الممثلون جميعهم أداء مدهشا ينعكس بذلك على وصول فكرة المسرحية بحركات لا يشوبها الكلام. يضل المشاهد يتبع أحداث المسرحية بصمت كما هو حالها حتى يصل به ذلك الصمت إلى المعنى الذي يريده المخرج، حالة من المتعة تصبحه كلما تطور الحدث فتتضح الرؤية لديه وهو هنا لا يريد سوى الصمت الذي يمنحه فرصة اختبار قدراته على الاكتشاف.
كان المخرج والمؤلف الشاب موفقا في اختيار المكان والشخصيات فيبدو الحدث مؤثرا من خلال كل ذلك (حديقة، أطفال،آباء، أمهات، قصة حب في بدايتها )مكان ممتلئ بالحياة ثم بعدها يصبح المكان "مدمرا" بفعل انفجار، ولا يبقى حيا سوى شخص كان يفترض أنه بدأ قصة حب مع فتاة لم يدر كيف أصبح مصيرها. وعلى المشاهد أن يحزر مالذي حدث وكيف ومن يكون وراء الانفجار ؟ وكل حسب خلفيته الثقافية.
لا يكتمل الحدث هنا، فيدخلنا المؤلف في مشهد أكثر عمقا، لقد عادت الروح لكل الذين اختفوا جراء الانفجار، يعلق المخرج الشاب اليوسفي في أحد حواراته أن المعنى إعادتهم للحياة ليعيش معهم الشخص الذي نجا من الحياة اللحظات التي عاشها من قبل لكننا لا نعرفها إلا بعد أن يحدث الانفجار، لتكون الجملة الوحيدة التي تحدث بها شخصيات المسرحية هي "أين أنت الآن" وهو سؤال لا يخرجنا عن صمتنا الذي توحي لنا به المسرحية.
وقد يكون هناك تفسير آخر هو أن إعادة الروح لهم نقطة الانتهاء ليكملوا الحياة، بمعنى ماذا لو أكمل الجميع حياتهم دون أن يتسبب جماعة من الناس في موت آخرين ودن ذنب.
في العرض الثاني لذات العمل بعد العرض الأول والذي كان في فبراير ضمن مسرح الأربعاء أيضا ، تقدم المسرحية بتغيير بسيط فالأب الذي كان في العرض الأول يحمل جيتارا ويعزف عليه بصمت أمام أطفاله وزوجه، وهنا يمنحنا مهمة مراقبته دون أن يعي وجودنا. يتحول في العرض الثاني -في شهر مارس- إلى مغن بصوت مسموع متجها إلينا، ليفسد متعتنا بمراقبته دون أن يدري ويجعلنا نتوقف عن اللحاق بالفكرة الغامضة بترتيب متصاعد. وهنا تسقط اللذة التي تحدثت عنها لذة الاكتشاف ولذة الصمت. لقد كان العرض الأول مدهشا بحق المكان ممتلئ بالحياة ونحن نشاهد، نتماهي مع شخصيات المسرحية، ثم كما غمرتنا الحياة فجأة ينقلنا الانفجار إلى الموت دون أن ننسى الحياة. تفزع قلوبنا لندرك أي يد آثمة قتلت من لا ذنب لهم، وبعدها قد نتساءل عن هؤلاء بطريقة ثانية وثالثة ورابعة، كل على حدة، "أين أنت الآن "
ملاحظة
كنت أعتقد أن العرض الصامت " أين أنت الآن" هو أول عمل من نوعه في اليمن لكن الذي يتتبع حركة المسرح في اليمن وفي عدن خصوصا سيجد أن هناك عروضا صامتة قدمت وإن كانت قليلة.