خرج الجمعة الماضية المتظاهرون الشباب في صنعاء حاملين شعارات تنادي برحيله. هاتفين الشعب يريد إسقاط النظام يسيرون من الجامعة باتجاه لم يسمح لنا الأمن بمعرفة إلى أين كانوا يودون السير بمظاهرتهم. وبعد تجاوزهم عدة حواجز لقوات الأمن باعداد كبيرة، يصل المتظاهرون إلى جسر الزبيري، ليجدوا أنفسهم وهم (العزَّل) في مواجهة بلاطجة يحملون العصي الخشبية والحديدية. وتقول الأخبار إنهم ضربوا مراسل قناة العربية، وحصروا الصحفيين في زاوية، وتم ضرب المتظاهرين بوحشية المنتقم.
سمحت لي الصدفة بالوقوف لدقائق في الجهة المقابلة التي اختلط فيها الأمن بالبلطجية. تقف قوات الأمن بمسافة فاصلة خلف من يعتدي على المتظاهرين وكأنها تحميهم بعد أن نفذوا فعلتهم في الاعتداء على المتظاهرين، ثم خلفهم بمسافة تنتشر سيارات للأمن وحاملو سلاح بملابس مدنية عند جولات تالية بعد أن قطعت الطريق من قبلهم.
يقف أحدهم إلى جانب الطريق يلبس جاكت عسكرياً وبيده عصا غليظة تتقطع أنفاسه، هكذا كان حال أغلبهم، فيما يبدو الأمن مسترخيا للغاية كأن شيئا لم يحدث. وثمة أحاديث جانبية بين الأمن وأصحاب الهراوات والعصي. حينها كان المتظاهرون قد تفرقوا وسقط منهم عدد كبير من الجرحى. فيما لم أر شخصاً مصاباً في الجهة التي يسيطر عليها الأمن. وقفت أتفحص وجوههم؛ بدوا رجالا خائفين، حتى حين بدوا منتشين بانتصار خلف الكثير من الجرحى، لم يكونوا يعرفون ما هو ذلك الانتصار.
كانت لحظة فاصلة لأعرف قوة أؤلئك الشرفاء وهم يصممون من أجل المطالبة بحقوقهم أمام كل ذلك الرعب الذي يحاول النظام أن يواجههم به: بلاطجة وأمن. هي لحظة فاصلة نعرف بها مع من نتعامل لم تكن المواجهة مجردة لنقول بين طرف وطرف، بل بين فكر وفكر آخر. فكر أسعفته عقليته للتعبير عن رأيه بطريقة حضارية، وفكر تحرك جوهره الحقيقي وأعلن عن نفسه بالتعالي والبلطجة. هي لحظة تسقط معها كل محاولات تجريب المجرب، والبحث عن مخارج لاستيعاب عقليته.
يقومون بكل شيء لتبرير كل هذا القمع، والقتل الذي بدأ في عدن حتى لم تكن هناك إجابات مقنعة، شكل الرئيس لجنة للتحقيق في ما حدث. وفي نفس اليوم يستبق نائب وزير الداخلية التحقيق بتوجيه اتهام للحراك. وهناك إصرار على تحويل آلام الناس وأوجاعهم ومعاناتهم إلى مؤامرات خارجية. وإنكار تام لوجود مشكلة ولحتمية التغيير.
نحن أمام نظام يناقض نفسه كل ساعة. فحين يتحدث عن سعة صدره يكون قد سقط في ذات الوقت المتظاهرون المطالبون بالتغيير بين قتيل وجريح. يتحدث عن الحوار بينما يغلب القوة. يضللنا أعضاء الحزب الحاكم في كل الفعاليات بتكريس فكرة أن الشعب اليمني كله مسلَّح، وكأن هذا الشعب المسلح هم مجرد مجرمين فقط ينتظرون فرصة لقتل بعضهم.
كانت أحزاب اللقاء المشترك محقة حين أعلنت الالتحام مع الشباب. كيف يمكن بمن صنع المشاكل أن يقدم حلولا لها؟ كيف يمكننا بالحوار أن نحصل على حقنا في تعليم جيد وصحة، وأن نعيش بأمان؟ وكيف ستتحقق أحلامنا بوطن يعمه العدل والمساواة؟ كيف يمكن لمن يؤمن أن الحقوق هبة منه أن يؤمن بحقوقنا؟
هي مرحلة تقول لنا: إما أن نكون أو لا نكون.. إذا كان باستطاعة النظام تضليلنا فليس بيديه إيقاف عجلة التاريخ. بالمقابل من قال إن التاريخ يكرر نفسه، فإما أن نكون في المقدمة، وإما أن يتجاوزنا ويتركنا مثخنين بجروحنا القديمة.
0 اترك تعليقا جديداً:
إرسال تعليق